متصفحك لا يتحمل لغة جافا سكريبت الفينيقيون - المجوهرات الفينيقية

المجوهرات الفينيقية

الفن-مجوهرات، رسم ج. اشقر، © Pheniciens.com
المعروف عن الفينيقيين انهم ملاحين وباعة متجولين. كان للمجوهرات، مع قيمتها وصغر حجمها، مكانة هامة في تسهيل عمليات تبادل المنتجات والتجارة.

يعود تصنيع المجوهرات في المنطقة إلى الفترة الكنعانية، ولم تكن هذه المهنة مجرد حرفية، بل كانت اقرب من الفن الذي كان مرتبطا بثراء التقاليد الشرقية. تشمل الكنوز التي وجدت في أوغاريت وجبيل، والتي يرجع تاريخها إلى الألفين الثالث والثاني ق.م.، دروع وميداليات ذهبية، مشغولة ومصوغة على أساليب من إيحاء مصري. كانت الأشكال الزخرفية والأنماط المستوحاة من هذه الحقبة شائعة ومتداولة أيضا، وعلى نطاق واسع، خلال المرحلة الفينيقية في الألف الأول ق.م.(1).

عقد من خزف. متحف بيروت


كانت المواد المستخدمة في هذه الصناعة متنوعة ومختلفة. كان الذهب، بفضل نوعيته وقيمته وجودة الحفاظ عليه، الأكثر انتشارا. كما تم استعمال الفضة، ولكن بسبب ترديها مع الوقت، لم يبقى الكثير من النماذج والقِطَعْ. وأدخل الفينيقيون البرونز، والأحجار الكريمة والزجاج الملون في تكوين المجوهرات(2).



كانت مصادر الزخارف المهيمنة إما من إلهام ديني أو تتناول وتتعلق بمواضيع النباتات مثل اللوتس، سعف النخيل، الورد أو الحيوانات كالخنفساء، الصقر، أبو الهول، الغريفين، الأسد، دون أن ننسى المظاهر والمعالم الهندسية. النماذج الأكثر شيوعا هي الأقراط الذهبية على أشكال متعددة مثل "مفتاح الحياة" (العنخ المصري)، الهلال، العلقة، الخ. ومن ثم نجد صناعة الخواتم التي غالبا ما كانت مزينة على الطراز المصري(3).

ابدع الفينيقيون في إنتاجاتهم وصمموا انواع متعددة من المجوهرات واستخدموا ومزجوا بين المواد النبيلة مثل الذهب والأحجار الكريمة وشبه الكريمة. كانت النساء مولعة بهذه اللوازم وأدوات الزينة التي تلمع وذات القيمة والأصالة. في الأوديسة الفصل الخامس عشر، يومايوس يروي عن طفولته في جزيرة سيروس، وتعليمه من قبل مدبرة فينيقية واختطافه من قبل التجار الفينيقيين:

"جاء رسول لتحذير امرأتنا. لقد كان ماكر كالثعلب، الذي لانضمامه إلينا، حمل عقد من الذهب ملبس بأحجار كبيرة من العنبر. أثناء وجوده في القاعة الكبيرة، أخذت والدتي ونساءها العقد لتفحصه وبينما كانت عيونهم مبهرة وبينما كانت تفاوض الثمن، استغل الرجل الظرف ومن دون أن ينبس ببنت شفة أومأ للفتاة وعاد، حسب الاتفاق، إلى جوف سفينته"


يقدم المتحف الوطني في بيروت ملخص تاريخي عن هذه المجوهرات ويعرض للزوار مجموعة جميلة ومميزة من القلائد الذهبية والفضية المزخرفة بالخزف أو العقيق، ونجد أيضا العديد من السلاسل والخواتم والأساور والأقراط.

مجموعة من الحلي الذهبية

غالبا ما استوحى الحرفيين في الغرب، في قرطاج، ثاروس أو في شبه الجزيرة الايبيرية، ولمدة طويلة من النماذج الشرقية قبل فرض نماذجهم الخاصة. من بين أجمل الإبداعات تشمل المعلقات المزينة برموز العبادة مثل الصل (الكوبرا الملكية) أو القرص الشمسي ذات الحبيبات، الأساور المزينة بسعف النخيل الفينيقية والخنافس المصرية أو بزخارف أخرى "جالبات الحظ". تم تصدير البعض من هذه العمليات التقنية مثل التحبيب، الصياغة التخريمية أو "مصوغة بطريقة"، بواسطة التجار الفينيقيين منذ القرن التاسع ق.م. إلى المنطقة اليونانية، و كريت، و أتيكا ومنذ القرن السابع ق.م. إلى أتروريا(4).

منذ البداية، تَراكَبَ فن البونيقية تدريجيا على الفن الفينيقي وذلك حتى القرن السابع قبل الميلاد(5). حيث بدأت مرحلة جديدة في أعمالهم المحلية وانحرف هذا الفن صوب فن ذاتي وخاص بالمنطقة. منذ ذلك الحين اصبح مصطلح "البونية" ينطبق على جميع الإنتاجات الفنية في قرطاج ومستعمراتها، باستثناء تلك التي كانت مستوردة من الشرق الفينيقي والمتبادلة من قبل السكان المحليين في تجارتهم.

تطورت الفنون الفينيقية والبونية في سياقات ثقافية مختلفة. إذا الفن الفينيقي، وريثا للتجربة الفنية من الألفية الثانية، الذي نمى منذ البداية في منطقة الشرق الأوسط وبقي على اتصال مع مختلف التأثيرات السريانية الفلسطينية والآشورية وخصوصا المصرية التي شكلت مصدرا دائم للإلهام لهذا الفن الشرقي. في ما يتعلق بفن البونية فتطوره ليس فقط بفضل العلاقات مع بلدهم الأصلي ولكن أيضا بفضل التأثير المصري بسبب العلاقات المباشرةً أو عن طريق الفينيقيين، أو التاثير من قبل إتروريا وخاصة صقلية اليونانية حتى الفترة الهلنستية. مختلف هذه المساهمات والعوامل أثرت بصورة إيجابية وأغنت الفنين البوني والفينيقي، كل منه بشكل أو بآخر.

كانت المجوهرات البونية موازية لصناعة المدن الأم الفينيقية الواقعة على شرق البحر المتوسط. فالأنواع المختلفة من القلائد القرصية على المثال المصري، الديكور، والمسامير، والبوشل، وأقراص الشمس، والهلال القمري، تواجدت في نفس الوقت وفي المنطقتين. بين القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، أُنْتِجَتْ الفضيات المماثلة في قرطاج، تاروس، قادش، إيبيزا ومالطا وفي المستعمرات الفينيقية الشرقية كقبرص، وشاع إنتاج الخواتم المرصعة أو الغير مرصعة في كلا الجانبين.

خواتم ذهبية

إلى جانب هذه القواعد الفنية الفينيقية الموحدة في القرن السابع قبل الميلاد، تعددت أساليب المنتوجات المحلية. فإذا صدرت قرطاج منهجها إلى مستعمراتها، فتخصصت المدن في أعمالها، وأصبحت مدينة تاروس في سردينيا مركزا رئيسيا لإنتاج الفضة والمجوهرات، وتميزت بإنتاج الخنافس من اليشب أو الجاد الأخضر مع مشابك من الذهب والفضة. عرفت صناعة الذهب، في القرن السادس، نوع جديد من الصياغة المحلية، حيث زخرفت القلائد والحلى بعلامة التانيت في قرطاج وراج إنتاج الأقراط في تاروس.

بالإضافة إلى المواد التقليدية والعامة، برع الفينيقيون في استخدام عجينة الزجاج، وخاصة لإنتاج الخرز والقلائد التي جلبت نوع من الأصالة وأحدثت انقلاب هام وأناقة مميزة في الإبداع الحرفي في مجال الترف.

احد التقنيات الأكثر شيوعا في إعداد القلائد على شكل أشخاص وإنتاج عناصر السلاسل، كانت تقنية "القالب من الرمال أو الطين أو غيرها من المواد القابلة للتفتيت". فكانت تصنع القوالب الرطبة على الأشكال المطلوبة، ومن ثم تلف بقطعة من القماش، وتثبت على عصا ومن بعدها تغطس في نوع من البوتقة (حفرة) مملؤة بالزجاج المصهور وتخرج بعد أن تكون محاطة كليا من الزجاج. في المرحلة الثانية، يتم فرك الوجه الخارجي على لوحة من الحجر أو المعدن، ليصبح أملس ومتجانس ومن بعدها تتم عملية تفتيت القالب الداخلي للحصول على المنتج النهائي(6).

رأس فينيقي © Pheniciens.com رأس فينيقي © Pheniciens.com رأس فينيقي © Pheniciens.com رأس فينيقي © Pheniciens.com رأس فينيقي © Pheniciens.com رأس فينيقي © Pheniciens.com

يتطلب هذا العمل خبرة وإبداع وطولة بال لتكرار عمليات الصب والتعديل، واستخدام القوالب كان ذات فائدة أساسية ومباشرة في هذه الصناعة. استخدام يد عاملة من ذوي المهارات العالية كانت ضرورية ومفروضة بسبب الفترات الطويلة من العمل لإعداد المواد الخام لهذه التقنية الأكثر تعقيدا وصعوبة من صناعة المعادن(7).

بعض العلماء يرى في صناعة الزجاج الملون اختراعا مبدعا ليحل محل الأحجار الكريمة التي غالبا ما كان البحث عنها وإنتاجها صعبا ومكلفا. تم تصنيع هذه المجوهرات المبتكرة في المدن الأم (جبيل، صيدا، صور، ...)، وكذلك في المناطق تحت التأثير او النفوذ الفينيقي (قرطاج، تاروس، سرقوسة، إيبيزا).

في ما يتعلق بالرسوم والرموز، غالبا ما وجدت رؤوس رجال مع الشعر المجعد واللحى، ناعمة أو متموجة، أو رؤوس نساء ربات الشعر المجدول. وتوافر أيضا رؤوس بعض الحيوانات (التيس، الديك) أو أشكال مخلوقات وحشية لدرء الشر أو العين الشريرة. وبالإضافة إلى ذلك، نجد السلاسل ذات الوجوه، والخرز الكروية، والأنابيب الصغيرة المدببة الملفوفة، والخرز المحفور لتزيين القلادات.

صور هذه المجموعة من المجوهرات الخالدة والقديمة تظهر بانها لا تزال صالحة ومستخدمة حتى عهدنا الحالي. هذه الحرفة لا تزال تلهم الفنانين والحرفيين الذين يتابعون هذا التراث والفن بإعادة الإنتاج الفينيقي مع تكييفه ليتلاءم مع طرق الصناعات الحديثة والذوق المعاصر.






(1) Habib Chamoun-Nicolàs, Négociez comme un Phénicien. Découvrez les Tradeables. ESF Editeur (traduction Claude Tournier). Retour texte
(2) Cf. Giovanna Pisano, "Les bijoux in Les Phéniciens sous la direction de Sabatino Moscati". Editions Stock 1997. Retour texte
(3) Ibidem. Retour texte
(4) Cf. Hatmut Matthäus, "Art phénicien, art orientalisant" in La Méditerranée des Phéniciens, de Tyr à Carthage. Somogy Editions d’Art / IMA. Retour texte
(5) "Les Puniques sont les Phéniciens d’Occident qui ont développé à partir de Carthage une civilisation originale dans une partie de l’Afrique du Nord et de la Méditerranée occidentale – Malte, Sardaigne, Sicile, Espagne – tout en consolidant et en défendant par la diplomatie et la force les intérêts de tous les Phéniciens contre les Grecs puis les Romains et en assurant la continuité des relations avec les Phéniciens d’orient". Cf. Ahmed Ferjaoui, "Art phénicien, art punique" in La Méditerranée des Phéniciens, de Tyr à Carthage. Somogy Editions d’Art / IMA. Retour texte
(6) Cf. Maria Luisa Uberti, "le verre" in Les Phéniciens sous la direction de Sabatino Moscati. Editions Stock, 1997. Retour texte
(7) Ibidem. Retour texte

عودة إلى الصفحة الرئيسية