متصفحك لا يتحمل لغة جافا سكريبت الفينيقيون - الفينيقيون والأرجوان

صدفة الموريكس, رسم ج. اشقر, © Pheniciens.com

الفينيقيون والأرجوان


بين الأسطورة والواقع، كانت صناعة الأرجوان مرتبطة، بطريقة أو بأخرى، بالفينيقيين. وقد ساهمت في سمعتهم. يتبنى العديد من المؤرخين أن مصطلح "الفينيقيون" يأتي من الكلمة اليونانية "φοῖνιξ - phoinix" بالمقارنة مع الصباغ الأرجواني، الذي كان من اختصاص سكان مدن الساحل الشرقي للبحر المتوسط لا سيما مدينتي صور وصيدا.



المثال الأكثر تعبيرا كمقدمة لهذا المقتطف وقبل الدخول في التفاصيل، يتواجد في هذا المشهد من مغامرة "أستريكس المصارع" للكاتب رينيه جوسيني ورسام الكرتون ألبير أديرزو: "نحن قادمون من صور، في فينيقيا. اسمي 'Epidemaïs' ... هل تريدون شراء الزجاج، المجوهرات، الأقمشة، الأرجواني، الأثاث؟"


مقتطف من أستريكس المصارع


الأرجواني بين الأسطورة والتاريخ

عملة من مدينة صور - صدفة الموريكس

تقول الأسطورة أن اكتشاف الأرجوان يعزى إلى الإله ملكارت هيراكليس. في حين كان يتنزه على الشاطئ مع تيروس الحورية، اكتشف كلبه صدف الموريكس ومضغها، فتلون فكه بالأرجواني. أعجبت الحورية بهذه الصبغة وطلبت من ملكارت أن ينفذ لها ثوب من هذا اللون الجميل. فطلب الإله جمع العديد من صدف الموريكس، وتم إعداد الصبغة واللباس القرمزي المطلوب لإرضاء الحورية وإسعادها.

اكتشفت البقايا العديدة من مراكز الصباغة القديمة على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. من اشهر هذه الأثار هي التي وجدت حوالي مدينتي صيدون (صيدا) وصور، لإنتاج الصبغات الأرجوانية التي راجت في العصور القديمة. نشر فرانسوا تورو-دانجان (١٨٧٢-١٩٤٤)، عالم الآثار والنقوش الفرنسي، في العام ١٩٣٤، كتابة مسمارية من أوغاريت التي تنص على أن هناك ما يقارب من ٣٥٠٠ سنة، أن بعض الأفراد كانوا يدينون إلى تاجر محلي بكمية من الصوف الأرجواني وعلى ما يبدو أنهم كانوا صباغين. هذه النصوص تقودنا إلى الاعتقاد بأن الصوف وزعت على المعامل من اجل صبغها بالأرجواني ومن ثم استردادها من قبل التجار لبيعها محليا أو تصديرها. هذه المعاملات التجارية تعكس وجود صناعة الأرجواني على الساحل الكنعاني منذ منتصف الألف الثاني قبل الميلاد(1).

الأدلة على قيمة الأرجواني في المصادر والوثائق المكتوبة كثيرة ومتنوعة وخصوصا في الكتاب المقدس. فورد في سفر أخبار الأيام الثاني، ٣-١٤: "وعمل الحجاب من أسمانجوني وأرجوان وقرمز وكتان وجعل عليه كروبيم" أو ٢-١٤: "ابن امرأة من بنات دان وأبوه رجل صوري ماهر في صناعة الذهب والفضة والنحاس والحديد والحجارة والخشب والأرجوان والأسمانجوني والكتان والقرمز...". عبر هذين المثلين، من الممكن التأكيد بأن تأثير الفينيقيين على الحرفيين منذ الألف الأول قبل الميلاد كان معترف به وذات أهمية في العصور القديمة.

عملة من مدينة صور - صدفة الموريكس

تذكر أيضا، بعض المقاطع في السجلات الآشورية وذلك منذ القرن الثامن قبل الميلاد، الصوف المصبوغ بالأرجوان في قائمة من جزية لملك أشور. في عهد تغلات فلاسر الثالث (٧٤٤-٧٢١ ق.م.)، أضافت المدن الفينيقية العديد من الملابس الأرجوانية، بالعلاوة عن الذهب والفضة، على لائحة الهداية الغنية والثمينة التي أرسلت إلى الملوك الآشوريين.

ارتداء الأقمشة الأرجوانية خلال الفترة الفارسية (٥٥٠-٣٣٠ ق.م.)، كان مخصص للملوك، ولم يكن لغيرهم الاستحقاق في هذا التميز. بعد غزو مصر من قبل الفرس، أعد قمبيز ملكهم في العام ٥٢٥، رحلة استكشافية ضد أثيوبيا. يتكلم هيرودوت المؤرخ الإغريقي في بكتاباته التاريخية عن هذه التحضيرات وبأن ملك الفرس ارسل جواسيس "أكلة الأسماك، بما في ذلك بعض الهدايا مع معطف بنفسجي، وقلادة وأساور الذهب ومضفر مربع من المرمر تحتوي على البخور مع جرة من الفخار مملؤة بنبيذ النخيل. لكن ملك إثيوبيا كان حذرا من قمبيز، فأستولى على اللباس الأرجواني، ومع ذلك، سأل ما كان عليه وكيف تم تصنيعه. وعندما علم الحقيقة عن الصباغ الأرجواني، قال أن هؤلاء الرجال، وكذلك ملابسهم، كانوا مملوئين بالمكر"(2).

في بداية العصر الروماني، تم تمديد صلاحيات ارتداء الملابس الأرجوانية لأعضاء مجلس الشيوخ والكهنة، ليصبح رمزا للقوة أو الكرامة العالية. يتحدث المؤرخ اليوناني بلوتارخ في حياة أراتوس السياسي اليوناني عن ذلك "الكاهن الذي كان (في مراسم التضحية) يرتدي قبعة، التي ليست من اللون الأبيض الطاهر ولكن من الأرجواني". وذكر أيضا في حياة رومولوس، مؤسس روما مع أخيه رموس، "وكان العديد من الناس الذين وصلوا معا، في حين أنه (رومولوس) جلس في أعلى منصب، محاطا بكبار رجاله، مرتديا الأرجواني." أو الانتقادات الموجهة إليه، عن وجود "نبذ عوائده الشعبية واعتماد سبل الملوك (مع) سترة من اللون القرمزي تحت رداء أرجواني".

يصف بليني الأكبر، في كتابه التاسع من التاريخ الطبيعي، الروعة والفخامة التي يمثلها هذا اللون "الأرجواني الأكثر تقديرا في آسيا، هو ذلك الذي من مدينة صور، [...] حزم العصي والفؤوس تفتح له طريق روما؛ وهو جلالة الطفولة، وإنه يميز مجلس الكبار من الفروسية، نرتديه لاسترضاء الآلهة، ويعزز تألق جميع الملابس، وإنه يختلط مع الذهب في زي النصر"(3).

على عهد الإمبراطور نيرون، فرضت عقوبة الإعدام، مع مصادرة الممتلكات، على أي شخص يرتدي أو يحاول شراء المصنوعات الأرجوانية. في القسطنطينية، طليت غرفة الإمبراطور البيزنطي باللون الأرجواني، وابنه الذي يلد في هذه الغرفة من القصر الإمبراطوري، يتمتع بالهيبة والعظمة ويحمل اللقب بورفروجنيتثس، أي "ولد في الأرجواني".

استهلاك صدف الموريكس الكثيف في العصور القدية سَبًبَ بندرتها وادى إلى اختفاء تقنيات التصنيع الصباغ الأرجواني. ما زال ارتداء اللباس الأرجواني يعتبر كرمز للسلطة في عصرنا الحاضر، فعلى سبيل المثال، حافظ كرادلة الكنيسة الرومانية الكاثوليكية على هذه العادة القديمة.



عملية الحصول على اللون الأرجواني

يدفعنا التحدث عن اللون الأرجواني للعودة أولا إلى ذكر صدفة الموركس، هذا الرخوي "البطنيات القدم" البحري المتألف من العديد من الأصناف. في القرن الثامن عشر، اجرى كارل لينيوس السويدي، الأخصائي في علم النبات والطبيعة، عدد من الدراسات عن الرخويات، وأعَدً قائمة في أنواع الموركس مشيرا إلى نوعين رئيسيين: موركس ترنكلوس وموركس برنداريس وأعطى الأسماء العلمية، حسب تصنيفه الحديث، وباللغة اللاتينية، فاطلق على النوع الأول الاسم: "Bolinus brandaris" المعروف أيضا بالأرجوان الصوري (نسبة لمدينة صور) أو الإمبراطوري، والنوع الثاني: "Hexaplex Trunculus".

وصف بليني الأكبر (٢٣-٧٩) في كتابه التاريخ الطبيعي عملية الحصول على الصباغ الأرجواني من موريكس "Trunculus Phyllonotus" والبديلة لها "Buccinum Undatum". نوعين وثيقي الصلة، والتي بعد سحقها وخلطها مع الماء، تفرز نوع من الخميرة "الأنزيم" الذي تضمن المواد اللازمة لإنتاج راسب من اللون الأحمر الأرجواني. وذكر بليني أن الراسب الناتج من موريكس البرفرية "Haemastoma Brandaris" كان عديم اللون، وكان من الضرورة خلطه مع كمية صغيرة من موريكس "Trunculus" للحصول على اللون الأرجواني.

كانت أول طريقة مستخدمة في صباغة الأرجوان بسيطة، حيث نقعت المنسوجات في وعاء من الماء ومن ثم تم إضافة الموريكس المسحوق. وبعد ذلك بيومين، مع ظهور اللون، استخرجت المنسوجات من المياه، ونظفت من بقايا الموريكس، واصبح الصباغ الأرجواني جزءا لا يتجزأ من النسيج، أما المياه المستعملة المتبقية فلم يعد لها أي منفعة. عملية الإختزال الجوية الطبيعية رسخت هذه الصباغة من خلال اندماجها مع الألياف نفسها. واصبح اللون الذي ظهر بعد ذلك مقاوما ولا يزول حتى بعد الغسيل.

صدفة الموريكس - الأرجوان

صدفة الموريكس - الأرجوان

وضع سكان صور طريقة جديدة وخاصة، من اجل تحسين الصباغة وتطوير التصنيع على نطاق واسع بها. وصفها بليني الأكبر بما يلي: "من الضروري وضع الملح، نحو نصف لتر لكل مئة رطل، وتركه يعطن لمدة ثلاثة أيام، لا أكثر، فمع ذلك يصبح المزيج أكثر صلابة من أن يكون طري. ومن ثم يتم تسخينه في أحواض من الرصاص"(4). التفاعل بين الرصاص الأبيض أو القصدير مع الكربونات القلوية (نترات أو رماد البلوط المحتوي على البوتاسيوم) يؤدي إلى تحرير الهيدروجين الذي كان بمثابة عامل تخفيض (عامل أكسدة مثاليا) لمنع التسرع بالتلوين.


منذ بداية القرن العشرين، حاول العديد من الكيميائيين والباحثين إيجاد عمليات وأساليب صباغة الأرجوان "القديمة" المشهورة المعروفة تحت إسم "ارجوان صور" أو "الارجوان الملكي" . وتم التوصل إلى تحديد مبدأ هذا التلوين بواسطة عالم الكيمياء الالماني بول فريدلاندر في العام ١٩٠٩(5)، الذي اكتشف الصيغة الكيميائية لهذا اللون ومنذ ذلك الحين تم إنتاجه اصطناعيا.

لكن السؤال، كيف وجد القدماء الطريقة للحفاظ على هذا المنتج وتحسينه؟

أشار بول كارير، الكيميائي السويسري، في العام ١٩٣٨ وفي كتابه دليل الكيمياء العضوية، ما يلي: "إن مبدأ الخزان هو تحويل المادة الصلبة من الصباغ الراسب الغير قابل للذوبان الى مشتق من الفينول ويدعا "Leuco" (شفاف). هذه المادة تصبح صالحة للذوبان في حمام من القلوية ..."(6).

تغرق ألياف النسيج في حمام من "Leuco" لعشرات من الساعات، ومن ثم تخرج وتجفف. تبتدأ عملية التلوين تدريجيا بفضل التفاعل مع الأكسجين في الهواء الطلق حتى تصل إلى أقصى اللون الغير قابلة للذوبان، ومقاومة للغسيل. المادة الصلبة من الصبغة تعالج رأسا داخل الألياف لتصبح تكوينا واحدا. المياه المتبقية، كانت لا تزال صالحة للاستعمال، ولكن مع إعطاء لون ذات ظلال أخف وزنا وذلك حتى الإرهاق.

منذ ذلك الحين، اجري العديد من العلماء دراسات جديدة وتجارب متنوعة للحصول على اللون الارجواني. نذكر منها تلك التي قام بها جوزيف ضومط(7)، أوتو إيلسنر(8)، جون ادموندز(9)، كريس كوكسي(10) وإنجي بوسكان كاولد(11). أعطت هذه الاختبارات، وعلى حد السواء، خصائص جديدة ومجزية من التقنيات المختلفة والظلال المتنوعة التي تم الحصول عليها من حول هذا اللون المتميز.

نسيج أرجواني - متحف بيروت الوطني







(1) Nina Jidejian, Tyr à travers les âges, Librairie Orientale, 1996, page 279. Retour texte
(2) Hérodote cité par Nina Jidejian, Idem, page 281. Retour texte
(3) La Méditerranée des Phéniciens. Catalogue d’exposition, IMA-SOMOGY, Paris, 2007, La Pourpre, Joseph E. Doumet, page 87. Retour texte
(4) Ibid. Retour texte
(5) Friedlander P., À propos de la teinture de la pourpre du murex brandaris ancienne. Journal de l'American Chemical Society, 1909. Retour texte
(6) La Méditerranée des Phéniciens. Catalogue d’exposition, IMA-SOMOGY, Paris, 2007, La Pourpre, Joseph E. Doumet p.89. Retour texte
(7) Joseph Doumet, Étude sur la couleur pourpre ancienne et tentative de reproduction du procédé de teinture de la ville de Tyr décrit par Pline l'Ancien, Imprimerie catholique, Liban, 1980. Retour texte
(8) Elsner O, Spanier E, Dyeing with Murex extracts, an unusual dyeing method of wool to the Biblical sky blue, Proceedings of the 7th International Wool Textile Research Conference, Tokyo, 1985.
Elsner O., Solution of the enigmas of dyeing Tyrian purple and the biblical tekhlet, Dyes in History and Archaeology, 1991
Retour texte
(9) Tyrian or Imperial Purple Dye, John Edmonds, Historic Dyes Series No.7, 2000. Retour texte
(10) www.chriscooksey.demon.co.uk/tyrian/index.html Retour texte
(11) pourpre.inge.free.fr/FR/recherches/recherches.html Retour texte

عودة إلى الصفحة الرئيسية