متصفحك لا يتحمل لغة جافا سكريبت الفينيقيون - الديانة الفينيقية
تمثال صغير فينيقي تمثال صغير فينيقي تمثال صغير فينيقي تمثال صغير فينيقي تمثال صغير فينيقي تمثال صغير فينيقي

الديانة الفينيقية


لم تكن التركيبة الدينية الفينيقية موحدة بين المدن اذ تعددت الخصوصيات، وكانت الاختلافات كثيرة من مدينة إلى أخرى. أثرت طبيعة السياق السياسي المجزأ باعتماد تقاليد خاصة بكل دويلة، حيث نظمت الطقوس الدينية بشكل مستقل مع آلهتها وأعيادها واحتفالاتها العامة. رغم هذا التباين، تكونت هذه الديانات حول صفة مشتركة في جميع المناطق الحضرية: تنظيم الآلهة في الثلاثيات، والوجود الدائم للإله الأب الذي غالبا ما كان متمثلا بملكارت، والآلهة الأم عشتروت، وثالثا الإله الشاب أدونيس. بالإضافة إلى ذلك، وحسب المدينة، تواجد العديد من الآلهة الأخرى التي كانت أقل أهمية.

إله مجنح, رسم ج. اشقر, © Pheniciens.com
مسلة يحاوميلك
مسلة يحاوميلك
ملك بيبلوس-جبيل (القرن الخامس ق.م.)

هيمن الإله إيل أو إل على رأس الثالوث المقدس في جبيل الذي كان يمثل الإله الأعلى على ما كان يرمز له الإله رع عند الفراعنة، وهو ما يعكس بوضوح التأثير المصري. كان إيل (ومن ثم بعل) خالق السماء والأرض، يمثل الطبيعة، وكان أب جميع الآلهة وخالق البشر والحيوانات. أما من ناحية الألوهية الأنثى، فتواجدت الآلهة التي عرفت ببعلة جُبَلْ أو جُبْلا "سيدة جبيل" التي كانت عبادة قديمة في هذه المدينة، تجسد الخصوبة والنمو ورمزها كان قريبا من الرموز المصرية، وذات صلة مع إيزيس-حتحور، ويليها الإله الشاب أدون الذي كان يمثل الربيع وانبعاث الطبيعة.

تشير العديد من الأثار والوثائق التاريخية المتعلقة بالإلهة "سيدة جبيل" إلى أنها كانت حامية للمدينة ولملكها والضامنة للسلطة. من المعالم الأثرية الأكثر جلاء هي مسلة يحاوميلك ملك بيبلوس-جبيل، التي تظهر الإلهة على عرش، مرتدية اللباس الضيقة على طريقة الآلهة المصرية إيزيس، وتحمل الصولجان في يدها اليسرى، وترفع اليمنى للبركة، وعلى رأسها تاج يمثل القرص الشمسي محاط بقرنين. أما أدون (أدونيس عند اليونانيين) الإله الأكثر أهمية في جبيل، فكان اصل اسمه يعود إلى اللغة السامية ويعني "السيد". هو "الإله الذي يموت ويعود إلى الحياة" في كل ربيع. وكان يقام مهرجانا تكريميا له في كل سنة، ويتكون من مظاهرات عامة عديدة ومتنوعة، ومنها المصارعة، وحلاقة الشعر عند النساء، وطقوس البغاء، والطقوس الدينية المتعلقة "بقيامة" أدون وعودته بين الأحياء. عبادة هذا الإله، التي تواجدت في وقت لاحق في الأساطير اليونانية، هو ذات الصلة إلى الاعتقاد في الحياة بعد الموت.

تكون الثالوث المقدس في مدينة صيدون (صيدا الحالية) من بعل، عشتروت وأشمون. وإن كانت عبادة بعل مشتركة وعامة عند اغلب المدن الكنعانية-الفينيقية فعبادة الإلهة عشتروت مستمدة من التقاليد السريانية السامية الفلسطينية القديمة، وكانت منتشرة في جميع أنحاء فينيقيا. كانت عشتروت تمثل الحب والجمال والخصوبة وأتى ذكرها في الكتاب المقدس: "وعبدوا البعل وعشتروت وآلهة آرام وصيدون" (قض-١٠-٦)، "تركناك يا رب وعبدنا بعل وعشتاروت" (١صم-١٢-١٠)، ومعروفة أيضا (في شريعة حمورابي) باسم "سيدة المعارك والحروب ... تجندل المحاربين وتسقي الأرض بدمائهم"، وأصبحت أفروديت، في وقت لاحق عند اليونانيين، وفينوس عند الرومان. أما الإله الثالث أشمون إله الشفاء والطبابة، فكان يعتبر كالإله الرئيسي في المدينة. يرتبط اسمه مع جذور سامية وهذا يعني "الزيت" مع جميع فضائله الوقائية والعلاجية التي كانت لها أهمية كبيرة في الحضارات القديمة. كان لديه معبدين في صيدون: واحد في داخل المدينة الذي كان بمثابة "بعل صيدون"، والآخر خارج المدينة وفي منطقة بستان الشيخ. عدة آثار ومنحوتات قديمة تمثل هذا الاله كشاب يحمل عصا يحيط بها أفعيان ذات أجنحة. من بين هذه الوثائق، ورقة من الذهب عُثِرَ عليها في القرب من معبد أشمون، وقطع نقدية في بيروت... أصبح أشمون، وفي وقت لاحق، الإله أسكليبيوس عند اليونانيين ومن ثم اسقولابيوس عند الرومان. يستعمل رمزه حاليا وفي جميع أنحاء العالم الحديث، كرمز لمعظم المؤسسات والمهن الطبية.


معبد أشمون - بستان الشيخ

معبد أشمون - المنصة
المنصة
معبد أشمون - الحوض المقدس
الحوض المقدس
معبد أشمون - منظر عام
منظر عام

معبد أشمون - نذر
معبد أشمون - نذر
متحف بيروت

عبادة أشمون كانت مرتبطة بعبادة عشتروت، فاندمجت المواقع والقصص الدينية المتعلقة بالإلهين. تحكي الأسطورة، التي نقلها المؤرخ القديم فيلون من جبيل، عن شاب وسيم من بيروت، يحب الصيد، والذي غالبا ما توجه نحو غابات صيدون لممارسة هوايته. صادفته عشتروت في احد رحلاته، ووقعت في حبه وحاولت أن تتقرب منه وتجذبه إليها، وأصرت في مساعيها لإغرائه. تجاهل أشمون همائم الإلهة وبذل جهده للتهرب منها، إلى أن قام بتشويه جسده بواسطة فأس، لكنه ما لبث أن مات من نتيجة ذلك. رفضت عشتروت هذا القدر، ولم تستسلم إلى الحزن، وذهبت تبحث عن أشمون بين الأموات وأعادته إلى الحياة وذلك بفضل صفتها كإلاهة الخصب، وجعلت منه إله الشفاء. وأصبح أشمون لصيدون، على ما كان عليه أدون لجبيل، الإله "الذي يموت ويولد من جديد" كل ربيع. تم العثور على العديد من الهبات في معبد أشمون - بستان الشيخ، ومنها الكثير من تماثيل الصغار. فمن المعتقد أن أشمون كان متخصصا في شفاء الأطفال. نقش على قاعدة احدى هذه التماثيل، التي قدمها أحد أبناء ملك من صيدون، كتابة فينيقية يطلب فيها الحماية من قبل "سيده أشمون". على هذا الموقع، تم بناء عدة أحواض مقدسة، التي كان لها وظيفة طقوسية دينية وطبية علاجية. اطلق على احدها اسم "حوض عشتروت"، بسب وجود عرش من الغرانيت منحوت من كتلة واحدة، ويدعا أيضا "عرش عشتروت". تم تزويد هذه الأحواض بالمياه بواسطة اقنيه متعددة ومتصلة بنبعة، متواجدة إلى شرق المعبد، "عين يدل" المذكورة في نقوش الملك أشمون عازر.

معبد أشمون - نذر
معبد أشمون - نذر
متحف بيروت

نواويس مجسدة
نواويس مجسدة
متحف بيروت

تشتهر صيدا أيضا بالنواويس وخصوصا المُجَسًدَةْ (ذات الأغطية المنقوشة على شكل جسد الأشخاص). عُثِرَ على العديد منها في مقبرة قياعة وبينها أربعة من الرخام، وفي مغارة طبلون ومنها ناووس الملك أشمون عازر، وفي باحة المدرسة الإنجيلية الحالية، حيث عُثِرَ على ٢٥ ناووس... غنى وجمال هذه النواويس، تؤكد دور صيدون كمركز مهم للإنتاج وخاصة باستعمال شبه حصري للرخام. ويعود الفضل إلى هذه المدينة لاستخدام وانتشار النواويس المجسدة، في تلك العصور، وذلك في جميع أنحاء عالم البحر الأبيض المتوسط. وتتواجد حاليا النماذج المختلفة في العديد من المتاحف وفي جميع أنحاء العالم.

تألفت عبادة مدينة صور من الثلاثي المقدس بعل شميم (رب السماء)، عشتروت وملكارت. كان هذا الأخير شفيع المدينة، اسمه يعني في اللغة الفينيقية "ملك المدينة". تواريخ عبادته تعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد، عندما قام حيرام، ملك صور، ببناء مزارا تكريما لملكارت وعمل على نشر عبادته ضمن شعبه. يعتبر ملكارت كمؤسس المدينة وحامي أنشطتها الاقتصادية. وانتشرت عبادة هذا الاله إلى جميع مناطق محيط البحر الأبيض المتوسط، وذلك مع امتداد الحركة التجارية والرحلات البحرية التي أقامها أهالي هذه المدينة، ومع توسعهم في أنحاء العالم المعروف، من قبرص إلى أعمدة هرقل (جبل طارق)، وشمال أفريقيا، والجزر الإيطالية وايجه، وكان ملكارت يشكل العمود الفقري للعلاقة المميزة التي حافظت عليها مدينة صور مع مستعمرتها العظيمة قرطاج. جرت العادة أيضا بأجراء حفلات سنوية لتذكار قيامة الاله ملكارت، تعبير آخر للإله الذي "يموت ويولد من جديد" على ما سبق عليه لأدون وأشمون. أما عشتروت فكان لها في صور نفس الاعتبارات والمراكز التي تمارست في صيدون وكانت إلهة الحب والخصوبة. تواجد أيضا، إلى جانب هذا الثالوث المقدس، عبارة عن سلسلة من مختلف الكيانات الإلهية، مثل: بعل صافون (سيد الرياح والتيارات البحرية) ، بعل ملاج (رب البحر)...


آمن الفينيقيون بمجموعة من الآلهة الثانويين جنبا إلى جنب مع الثلاثيات الرئيسية، فلكل مدينة عدد من الآلهة التي غالبا ما كانت تمثل القوى والعوامل الطبيعية. خوذر كان إله البحر في حين كان يرصد أيضا فصول السنة. رشيف إله الرًعد والبرق. اليان إله الينابيع والمياه الجوفية. كان داجون يمثل إله القمح للبعض وإله المطر والمجاري المائية للبعض الأخر. شدرابا حامي الأطباء وهيجون للحرفيين. سيديق وميزور يجسدا العدالة والصلاح. تانيت: آلهة الخصوبة و الإنتاج. يم إله البحر. موت إله الموت. وياريه إله القمر ...

ألوهية فينيقية © Pheniciens.com

غالبا ما كانت ممارسة العبادة عند الفينيقيين مخصصة عند الملوك والحكام (على الأقل في المدن الكبرى، جبيل وصور وصيدا)، ويساعدهم عدد من الكهنة تحت رعاية ومسؤولية "رئاس الكهنة" الذين كانوا يتمتعون بامتيازات وصلاحيات واسعة. فعلى سبيل المثال، في مدينة صور، كان رئيس كهنة معبد ملكارت، وفقا للمؤرخ الروماني جوستين، يمثل الشخصية الثانية من بعد الملك، وغالبا ما كان له ثروة هائلة. كان عاشربص، المعروف تحت اسم بـزيكار بعل، من ابرز واشهر هؤلاء الكهنة. ماتان ملك صور، قبل وفاته، أوصى لابنته اليسار (ديدون) واخيها بغماليون بالحكم. عُرِفَ عن اليسار بانها كانت جميلة وطموحة وذات ذكاء كبير. بعد وفاة والدها الملك، تزوجت اليسار من زيكار بعل الكاهن الأكبر لمعبد ملكارت الذي كان يملك ثروة ضخمة بكونه المسؤول عن جميع الهدايا والقرابين التي كانت تقدم للمعبد. طمع بغماليون بالحكم وحاول إزاحة اليسار من اجل الاستئثار بالنفوذ وعرش المدينة. فعلم النبلاء والمسؤولين في المدينة بهذا الأمر، وقاموا، وعلى رأسهم زيكاربعل، بفرض ضغوط على بغماليون للحفاظ على الحكم المشترك. لكن هذا الأخير لم يخضع لهذا الوضع وامر باغتيال زيكاربعل وحاول الاستيلاء على ثروته. لكن اليسار، وحفاظا على حياتها، قررت الفرار من صور. على ما تقول الأسطورة، جمعت اليسار ثروات وكنوز زوجها الرحيل وشحنتها على بعض السفن وأقلعت مع العديد من أنصارها صوب قبرص. طلبت من رجالها العزاب الزواج من عذارى الجزيرة وأبحرت مع الجميع صوب الغرب لتصل إلى الشاطئ الشمالي من أفريقيا حيث أسست مدينة قرطاجة.

كانت الديانة الفينيقية مرتبطة بالمدن حيث كانت تمارس العديد من الطقوس والتضحيات المختلفة حسب المحيط السياسي والعوامل الطبيعية، وتتعلق أيضا وخاصة بالإله أو الإلهة الأكثر عبادة في المدينة. من بين الطقوس الأكثر اعتمادا، كانت البغاء المقدس، تلك التي كانت تمارس تكريما لعشتروت، إلهة الحب والخصوبة. نقلت بعض المصادر القديمة أن هذه العادات سواء كانت طقوس استثنائية، تؤديها كاهنات معابد عشتروت ومحفوظة للزوار الأجانب، أو كانت تُمارَسْ، في بعض المدن، ليس فقط من قبل الكاهنات، ولكن أيضا جميع النساء، وعلى الأقل لمرة واحدة في حياتهم. بعض الدراسات الحديثة أدت إلى تفسيرات مختلفة وبعيدة عن المخزي الديني أو لتكريم عشتروت عبر هذه الطقوس المرتبطة بالخصوبة الطبيعية، فقدمت شروحات أكثر واقعية: الدعارة المقدسة يمكن أن تكون وسيلة لملء خزائن المعابد وإثرائها.

وجدت طقوس أخرى أيضا، وحيث كان على المؤمنين تقدمة القرابين للمعبد أو التضحية من الحيوانات وذلك في مقابل خدمة مثل الصحة، وتضميد الجراح، والخصوبة، ووفرة الحصاد، والانتصار على العدو، الخ. الأكثر شهرة من هذه الطقوس كان التضحية البشرية، وخاصة الأطفال. يذكر الكتاب المقدس المذابح توفة "tophets" حيث أحرق أبناء وبنات فينيقيا: "ونجس الملك معبد توفة الذي في وادي بني هنوم لئلا يحرق أحد ابنه أو ابنته في النار ذبيحة للإله مولك." (سفر الملوك الثاني ـ الفصل ٢٣-١٠). ٢٣-١٠). جرت هذه العادات خاصة في مدينة قرطاج، وهي أكبر مستعمرة لصور، حيث تم العثور على "توفة" المعروفة تحت اسم "توفة قرطاج" أو "توفة صلامبو". هذه "التوفة" تمثل عدة مذابح في منطقة مكشوفة، وتقع خارج أسوار المدينة. كانت تحتوي على مسلات حجرية وجرار، حيث تم العثور على عظام الأطفال. أما الشرق الفينيقي فلم يقدم أي أدلة من شأنها أن تثبت هذه التضحيات. فمن الممكن، حسب الكتابات المقدسة، إن نفس هذه العادات، قد تشير إلى طقوس تكريسية وحيدة من اجل تطهير الذبيحة. و"توفة" يمكن أن تكون مجرد مقبرة للأطفال.



عودة إلى الصفحة الرئيسية