متصفحك لا يتحمل لغة جافا سكريبت الفينيقيون - أسطورة اختطاف أوروبا
اختطاف أوروبا، رسمة لجويل الأشقر
اختطاف أوروبا، رسمة لجويل الأشقر
© Pheniciens.com

أسطورة اختطاف أوروبا


خطف الأميرة الفينيقية الشابة من قبل الإله اليوناني زيوس الذي اقترب منها بشكل ثور ابيض، ورحلة إخوتها ووالدتها للبحث عنها في بلاد اليونان.

نشاهد منذ بعض السنوات ظهور هوية جديدة على مسرح الساحة العالمية: الاتحاد الأوروبي، المعروف عاميا تحت اسم أوروبا.


مع اعتماد اليورو كعملة موحدة للدول الأوروبية، وبمناسبة هذا الحدث التاريخي، اختار اليونان ضرب قطعة العملة ٢ يورو على صورة الأميرة أوروبا التي اختطفها زيوس، رب الآلهة عند الإغريق، بعد تحوله إلى ثور. فمن كانت أوروبا؟ وما علاقتها مع اليونان؟

تقول الأسطورة أن أوروبا، أميرة فينيقية، ابنة أجينور(1) ملك صور، كانت تتمشى على شاطئ البحر ويرافقها عدد من وصيفاتها. لاحظها زيوس، كبير آلهة جبل الأولمب، وانبهر من جمالها وقرر التقرب منها، فتحول إلى ثور ذات قرون على شكل الهلال وجلس عند قدمي الفتاة. فدب الخوف في قلب الأميرة، لكن ما لبثت أن عاودتها الجرأة، فاقتربت من الثور وراحت تداعب عنقه، تابع زيوس أغرائها إلى أن جلست الأميرة على ظهره، وما لبث بالثور أن يركض نحو البحر. على الرغم من صرخات أوروبا، التي تمسكت بقرونه بشدة، خرق الثور الأمواج وابتعد عن الشاطئ، وعبر بها المياه واكمل طريقه حتى جزيرة كريت. استعاد زيوس شكله وأغرى الفتاة. من هذه العلاقة ولد ثلاثة أطفال: مينوس، ساربيدون وريهادامانت.

خطف الأميرة أوروبا، قطعة ٢ يورو

عقب اختطاف الأميرة، حزن وغضب الملك وأمر ولده قدموس بالذهاب رأساُ للبحث عن أخته وعدم العودة من دونها. اتجه قدموس صوب اليونان لاستعادة أوروبا ورافقه لتحقيق مسعاه والدته تيليفاسا وأخواه كيليكس وثاسوس، وبقي فينيكس وحده بجانب والده أجينور.

وصل الأخوة الثلاثة مع والدتهم إلى جزيرة ثيرا (سانتوريني) وتابعوا بحثهم وانتقلوا من مدينة إلى أخرى ومن جزيرة إلى جزيرة وقدموا القرابين لجميع الآلهة وكان استقبال السكان حسنا وفي المقابل ومن اجل الحصول على المعلومات عن الأميرة المخطوفة، علًمَ قدموس ورفقائه أهل هذه المناطق الكتابة والأبجدية الفينيقية. لكن سعيهم كان دون نتيجة وجميع محاولاتهم باءت بالفشل، توفيت تيليفاسا من الحزن بعد وصولهم إلى جزيرة ثراكين، وأدى اليأس بالأخوة إلى فقدان الأمل بالعثور على أوروبا، ولم يجرؤ على العودة إلى صور بسبب التزاماتهم لأبيهم. انتقل ثاسوس إلى جزر تراقيا حيث استقر، سيليكس اتجه إلى الأناضول وأسس كيليكيا، وتابع قدموس رحلته إلى مدينة دلفي في اليونان، واستشار الأوراكل الذي نصحه بأن يتوقف عن البحث عن شقيقته، ويتبع البقرة الشاردة التي تتواجد خارج المعبد إلى أن ترقد لترتاح وترعى وعليه أن يأسس مدينة على ذلك الموقع. عمل قدموس بما طلب منه الأوراكل وأدت به البقرة إلى هضبة مرتفعة، فبنى قلعة واسماها كادميا وأسس مدينة التي عرفت فيما بعد بطيبة.

تعددت النسخات عن هذه الأسطورة ونتائجها، ولكن جميعها نقلت لنا فضل الفينيقيون على إدخال الأبجدية عند الإغريق عبر رحلة قدموس ورفاقه. يروي المؤرخ اليوناني هيرودوت هذه القصة كما يلي:

"إن أولئك الفينيقيين الذين قدموا إلى هذه البلاد مع قدموس، ومن بينهم الغفرائيون، حملوا معهم مجموعة من المعارف ومن بينها الأبجدية وادخلوها عند الإغريق والتي، حسب ما اعتقد، لم تكن معروفة في هذه المنطقة من قبل. في البداية اسْتُخْدِمَت هذه الأبجدية كما كانت تستخدم عند جميع الفينيقيين. ولكن في مجرى الزمن، تأقلمت هذه الأحرف مع اللغة، واتخذت شكل آخر. اعتمدت أيضا البلدان المجاورة التي كانت تحت حكم الأيونيين هذه الأبجدية التي تعلموها من قبل الفينيقيون وقاموا بإجراء بعض التغييرات الطفيفة. يجدر بنا أن نعْدُل بحسن النية ونمنح اسم الأبجدية الفينيقية لهذه الكتابة، لأن الفينيقيون هم الذين أدخلوها إلى اليونان (هيرودوت II, ٥٨)."


اختطاف أوروبا، رسمة لجويل الأشقر
اختطاف أوروبا، رسمة لجويل الأشقر
© Pheniciens.com

هذه الأسطورة تلخص الحقائق التاريخية والاقتصادية والثقافية التي تعكس تحركات الحضارات وانتقالها من الشرق الأدنى إلى مناطق الغرب، المعروفة حاليا تحت اسم "أوروبا".

منذ العصور القديمة، قام العديد من النحاتين والرسامين بتمثيل "الأميرة والثور" في أعمالهم(2) إن كان على السيراميك أو الفسيفساء حتى القرن الرابع(3)، وذلك في جميع أنحاء العالم القديم حول البحر الأبيض المتوسط (لبنان، اليونان، إيطاليا، فرنسا، إسبانيا، تونس، الجزائر، ...) وغيرها من التحف والرسمات واللوحات لكبراء الرسامين: روبنز، رامبرانت، ماتيس، بيكاسو، بوتيرو ... حتى عصرنا الحالي. جميع هذه الأعمال تتواجد حاليا في مختلف واكبر المتاحف العالمية (المتحف الوطني في بيروت، متحف آرل القديمة و بروفانس، ومتحف نيم الأثرية، والمتحف البريطاني، ومتحف الفاتيكان ومتحف اللوفر، متاحف الدولة في برلين، متحف الأرميتاج، باليرمو، بومبي، متحف أغورا في أثينا، الخ).


كما سبق واشرنا، اليونان مع العملة الموحدة، صكوا قطعة تمثل خطف الأميرة، وأصدرت فرنسا في العام ١٩٩٨ طابع بريد تمثل هذه الأسطورة، وهذا بالتزامن مع المعرض "لبنان – الضفّة الأخرى" الذي عقد في معهد العالم العربي في باريس (٢٧ ك١ ١٩٩٨ إلى ٢ أيار ١٩٩٩)، والأوراق النقدية الخمسة يورو مع رأس الأميرة المطبوعة من البنك المركزي الأوروبي...

نتأمل يوما أن نعرض عبر هذه الصفحة أو أن نخصص صفحة جديدة لجميع هذه الأعمال مع شروحات صغيرة عن مصدرها وتاريخها. ونحن ندعو جميع المسؤولين في المتاحف التي تحوي على أعمال تمثل اختطاف الأميرة أوروبا بمساعدتنا لتحقيق هذا المشروع. جميع المقالات والصور والأوصاف، ... هي موضع ترحيب. ونشكركم مسبقاً على مساهمتكم.

لختام هذه الصفحة اردنا أن نشارك معكم ما نقل لنا المؤلف الكلاسيكي أخيل تاتيوس (الكتاب الأول، ١-١و ١-٢) عن تفاصيل الفسيفساء الروماني (القرن الثالث ميلادي) التي تمثل خطف الأميرة أوروبا، عثر عليها في الموقع الأثري في جبيل (بيبلوس) وتعرض حاليا في المتحف الوطني في بيروت:

"كان الثور مرسوما في وسط البحر، وراكبا الأمواج (...). أما الفتاة فكانت جالسة على منتصف ظهره، ليس حسب وﺿﻌﻴﺔ "منفرجة الساقين" ولكن على الجانب، كلا القدمين على اليمين وأنها كانت تمسك بقرونه بيدها اليسرى كما يمسك قائد العجلة الزمام، وفي الواقع، كان الحيوان ينحني قليلا في هذا الاتجاه، مطاعةً لضغط يدها. وكان صدر الفتية مغطى بمشلح يتساقط إلى أسفل الساقين، وتحته ثوب يخفي باقي الجسم (...). كانت يديها متباعدة عن بعضها البعض، واحدة على قرن الثور، والآخرة على ردفه، وكلاهما تقبض على وشاح كبير يرفرف حول كتفيها، وكان ينتفخ ويتجوف على جميع الأطراف، فكذلك استطاع الرسام تمثيل الرياح العاصفة. فكانت الفتاة على ظهر الثور مثل السفينة في عرض البحر ووشاحها يمثل شراع هذه السفينة".

Url dynamique
أسطورة الأميرة أوروبا والإله زيوس




(1) غالبا ما كانت مدينتي صور وصيدا تشكل وحدة سياسية حسب القوات المحلية والنفوذ الاقليمي. لهذا السبب نجد في المراجع أن أوروبا هي ابنة ملك صور أو ملك صيدا. Retour texte
(2) Voir Christian de Bartillat & Alain Roba, Métamorphoses d'Europe, trente siècles d'iconographies, Editions Bartillat, 2000. Retour texte
(3) Odile Wattel-de Croizant, Les mosaïques représentant le mythe d'Europe (Ier-IVe siècles), Evolution et interprétation des modèles grecs en milieu romain, Editions De Boccard, Paris, 1995. Retour texte

عودة إلى الصفحة الرئيسية