متصفحك لا يتحمل لغة جافا سكريبت الفينيقيون - الفن الفينيقي

الفن الفينيقي


حسب الدراساث العلمية والتاريخية، يعتبر الفن الفينيقي فن تركيبي. أصالته هي أبعد من أن تكون فريدة ومبتكرة، فهذا الفن متنوع، شعبي، وهو في الغالب نتيجة لمجموعة معقدة من التأثيرات في منطقة مفترق طرق العالم القديم، التي تعرضت للاحتلالات الاجنبية المتعددة والى وجود ونفوذ مختلف الحضارات المجاورة.

الفن الفينيقي، رسم ج. اشقر، © Pheniciens.com

كثيرا ما انْتُقِدَ الفينيقيين لميلهم إلى التقليد والتزوير. واتهموا، صوابا أو خطأ، لنسخ جيرانهم وعدم وجود الإبداع الشخصي. قَسًمَ جورج كونتينو، في كتابه "الحضارة الفينيقية"، الفن الفينيقي حسب فترتين زمنيتين: تبدئ الأولى مع أوائل الألف الأول قبل الميلاد، خلالها انتسب وتأثر الفن الفينيقي بالفن المصري وفن بلدان بحر ايجه، وعموما، قَلًد الحرفيون الفينيقيون الكثير من فنون العالم القديم. آما الزمن الثاني الممتد من الألف الأول قبل الميلاد وحتى نهاية العصر اليوناني الروماني، لم يكن مجرد تقليد، ولكنه كان تنسيقي، حيث أن الفينيقيون مزجوا ووفقوا للتوصل إلى إبداعاتهم وإنتاجاتهم الخاصة.

تعود بدعة الفن الفينيقي إلى تأقلمه مع مختلف الاتجاهات الفنية المتوافرة في ذلك الوقت ليتناسب مع الطلب أو الأمة الشعوب المقصودة لهذه المنتوجات. الابتكار الرئيسي في هذا الميدان هو مواءمة الفن مع الحياة اليومية، ليصبح على متناول الجميع وعلى نطاق واسع. لم يعد يقتصر الفن إلى فئة اجتماعية معينة، لكنه، على يد الفينيقيين، اصبح إنتاج عامي وشعبي الذي سَهًل عمليات التجارة والتسويق في جميع مناطق البحر الأبيض المتوسط(1).

لم تكن مجالات الفن الفينيقي مخصصة لمنطقة معينة أو لاستخدام محدود لكنها كانت واسعة، عالمية ومتنوعة. بين الفنون المعتمدة نجد الكثير من القطاعات، كعمل الزجاج والسيراميك، والمعادن، والعاج(2)، والمجوهرات وإكسسوارات التجميل والتصنيع الأرجواني، والعملات، ... دون أن ننسى قطاع العمارة والهندسة أو الفن في خدمة الإلهية والمقدسات.


صناعة الزجاج

من أخبار المؤرخ بلينيوس القديم، يتواجد فصل عن اكتشاف الزجاج من قبل الفينيقيين. فروى عن قارب فينيقي رسي في جنوب صور، ونزل البحارة على الساحل واستعملوا بعض الكتل من نترات البوتاسيوم لحماية وتأجيج نارهم. فذابت النترات واندمجت مع رمال الشاطئ، وادت هذه العملية إلى خلق مجموعة من الأشكال الملونة ذات مظهر ملحوظ وجميل. فكان هذا أول وحي من صناعة الزجاج.

ينقسم المؤرخون حول مصدر اختراع الزجاج، فالبعض يقولون أن الفينيقيون هم وراء هذه الصناعة. أما البعض الأخر فيعزوها إلى المصريين، ويعتمدون أن الدور الفينيقي اقتصر على ترويجها في أنحاء العالم القديم. مع تطور الاكتشافات التاريخية ووفقا لأحدث النظريات والدراسات، اتضح أن منشأ صناعة الزجاج يعود إلى بلاد ما بين النهرين. وانتشر من بعدها نحو مصر، ليعود إلى مراكز الساحل المشرقي، ليتوافق مع التغيرات التاريخية والسياسية.

اعمال يدوية من الزجاج

عقد من الزجاج، متحف اللوفر

بين العلوم والأسطورة، من الأكيد أن الزجاجيات المصنعة والمنشورة من قبل الفينيقيين كانت مشوبة مع الألوان الغنية والزفاف وتتكون من أشكال مختلفة تبعا للحاجة أو وجهة استخدامها واستعمالها. من اجل روتين الحياة اليومية، صَنًعَ الفينيقيون الأكواب والزجاجات وقوارير المراهم. في حين صناعة الخرز الزجاجي والمعلقات كانت مخصصة للمواد الفاخرة والمجوهرات.

مع الاعتبار أن دور الفينيقيين اقتصر على العموم لتامين وضمان الاستمرارية في صناعة الزجاج، فمن الأكيد بانهم كانوا وراء اختراع طريقة الزجاج المنفوخ التي طالما كانت أخصائية صيدا. وبفضل العلاقات التجارية التي ربطت المدن الفينيقية مع سائر أنحاء العالم القديم، عُمٍمَتْ هذه الصناعة على جميع الشعوب وخاصة حوالي البحر الأبيض المتوسط.


صناعة السيراميك

لم تتلقى دراسة السيراميك الفينيقية نفس درجة الاهتمام التي كُرٌسَتْ للفخار اليوناني. ويرجع ذلك أساسا إلى طبيعته وإلى أشكاله التي لا يمكن أن تتنافس مع جماليات الإنتاجات اليونانية الأكثر جاذبية ومهارة.

استمدت صناعة السيراميك في المدن الفينيقية مباشرة من الفخار السرياني الفلسطيني وذلك منذ نهاية العصر البرونزي. استعملت في العديد من المجالات المنزلية، التجارية أو الجنائزية. تم تقسيمها إلى شكلين كلاسيكية، ذات الرؤوس المفتوحة أو الواسعة وتلك الضيقة أو المغلقة.

تتعلق وظيفة الأوعية الفخارية على شكلها، فالمفتوحة كالصحون كانت تستخدم للأغذية والطعام، أما المغلقة كالجرار، مع فتحة صغيرة على رأسها، كانت تستعمل لحفظ ونقل السلع الغذائية أو السوائل (القمح، النبيذ، النفط، ...). الأباريق للشرب أو لصب السوائل، تتميز بشفة أو طرف مقصوص. هنالك أيضا الإبريق ذات الصنبور المرفقة إلى الجانب على طول البطن، وعند قاعدته يتواجد مصفاة. بعض الجرار كان من الممكن استعمالها في الطقوس الجنائزية، وغالبا ما تستخدم في القبور، كأواني لمراسم حرق الجثث، ومغلقة في بعض الأحيان بواسطة الصحون.

كانت المنتوجات الفينيقية من الفخاريات تحت تأثير نماذج من المراكز المجاورة (السامرة أو قبرص). البعض منها كانت مستوردة أو مقلدة، أو من إلهام غربي: كاليونان وصقلية أو من الأقاليم حيث استقر الفينيقيين أو أنشئوا مراكز التجارية، مثل سردينيا أو شبه الجزيرة الايبيرية.

فخارات فينيقية

الحرف اليدوية

ما هو الشيء الأكثر جاذبية، والأخف وزنا لشحنه وبالأخص الأكثر ربحا؟ طبعا، هذا الإنتاج لا يمكن إلا أن يتعلق في كل ما يختص بالمجوهرات. عرف الفينيقيون منذ البدء أهمية هذه الحرفة ودورها الفعال في التجارة وعملوا على ترويجها وتطويرها. كان الذهب، الأفضل جودة والأغلى، من اهم المواد المستعملة والأكثر حفاظا. أما الفضة فكانت أقل استخداما بسبب تدهورها وارتداءها بمرور الزمن. وغالبا ما استخدم البرونز والأحجار الكريمة والزجاج في تكوين، تكملة وتزين هذه المجوهرات.

كانت الأشكال الزخرفية المستعملة مستوحاة في الغالب من الأسلوب المصري، الأكثر شهرة في تلك العهود والأكثر طلبا. أعطيت الأفضلية للزخارف النباتية مثل الوريدة أو زهرة اللوتس والزخارف الحيوانية مثل الجعران وأبو الهول والصقر والأسد.

مجوهرات وزينة فينيقية

كانت الصناعات من المجوهرات الفينيقية متنوعة وعديدة المظاهر، من ابرزها الأقراط المذهبة على شكل هلال أو قرص شمسي، والأساور، والخواتم، والقلائد المزينة مع الخرز الزجاجي، والمعلقات على جميع أشكالها ...


برع الفينيقيون أيضا في الإنتاجات البرونزية ومستحضرات العاج، مع العلم أن المواد الخام لهذه الصناعتين لم تتواجد على الساحل الفينيقي بل استوردت من بعض المناطق النائية. جاء العاج من الهند من قبل الكلدانيين ومن الجزيرة العربية ومصر. أما البرونز، الذي هو عبارة عن سبيكة من النحاس المتوافر على الشواطئ الإسبانية ومن القصدير الموجود في إنجلترا، حيث انشأ الفينيقيون العديد من المدن والمراكز التجارية لاستخلاص هذه المواد ونقلوها على سفنهم واستعملوا جزيرتي مالطا وقبرص كمستودعات لحفظها قبل شحنها إلى مدنهم لتصنيعها ومن ثم استخدامها أو بيعها.

درع وخناجر فينيقة مزخرفة

انتشر الإنتاج الفينيقي على جميع البلدان المعروفة في العصور القديمة. كان الفن في خدمة الجمال والزينة، استعمل أيضا في مجالات التجارة والخدمات، ومَثًلَ وسيلة لإثراء التجار والبحارة الذين تجولوا في جميع أنحاء البحار بحثا عن أسواق جديدة لبيع سلعهم. وغالبا ما جذبت هذه المنتجات الغزاة الطامعين بثروات المدن الفينيقية لملء قصورهم بالغنائم التي تم الحصول عليها بعد احتلالهم وفرض نفوذهم.

وضع الحرفيون الفينيقيون أعمالهم في خدمة الفنون القابلة للتكيف والخفيفة للنقل بدافع التجارة والمقايضة، ومنذ ذلك العهد ظهرت هذه الفنون "الثانوية" أو الفنون الزخرفية المسمية بال"athyumata" من قبل الإغريق(3). قيمة الغالبية من هذه المواد كانت مزدوجة، الأولى فنية بحتة، أما الثانية فباتت مرتبطة بالحاجة الفعلية والفائدة العملية في الحياة اليومية.

إنتاج الأرجوان وتصنيع المنسوجات العالية الجودة أثارت الحسد والحماس في المراكز التجارية، عند جميع المشترين الذين كانوا ينتظرون وصول السفن الفينيقية. إن ارتداء الملابس الأرجوانية لا يزال حتى اليوم، مرتبط بالطبقات الاجتماعية المتميزة. مرور الوقت وتردي حالة هذه المنتوجات عبر الدهور، لا يسمح للحفاظ على أثر مرئي في هذا المجال، الدلائل الوحيدة على هذه المصنوعات وشهرتها، تعود إلى بعض كتابات المؤلفين القدماء والوثائق التاريخية.


التخطيط والهندسة المعمارية

معالم الطبيعة للشاطئ الشرقي للبحر المتوسط لم تكن بغريبة عن اختيار الإنشاءات الحضرية للشعب الفينيقي. بُنِيَتْ معظم المدن على الهضاب والنتوءات أو الجزر، على بعد مسافة قصيرة من الساحل، أو على حافة البحيرات الضحلة أو الخلجان التي تسمح مرور القوارب بسهولة. هذا النوع من المنشئات كان يؤمن للسفن أفضل الظروف الممكنة لصياغة وتحسين نظام الدفاع المناعي. هذه المواقع كانت محمية بشكل طبيعي، الجزر المحاطة بالمياه هي الأقل سهولة للهجوم أما النتوءات فتشكل سد طبيعي ومركز ملائم مرتفع يمكن أن يستوعب مبنى شديد التحصين.

سيدة على النافذة

كان تنظيم المستوطنة الفينيقية يدور حول هندسة ثابتة ومتناسقة. تتألف نواة المدينة من الأكروبوليس المحاط بالجدران، ومن ثم تتفرع الشوارع، وأنحاء الأحياء السكنية، والمباني الدينية وأماكن للأنشطة التجارية والصناعية.

بنيت الأماكن المقدسة، في بعض الحالات، في مراكز مخصصة من المدينة (معبد أشمون، بستان الشيخ نبوي، صيدا, أو المعبد الفينيقي في مدينة صور من نهاية الفترة الفارسية)، التي أصبحت بذلك "ركن ديني" أو "حي مقدس". أما المدافن فتواجدت غالبا خارج أماكن المعيشة، أحيانا كانت القبور تشكل حفرة أو بئر (المقبرة الملكية في جبيل) أو تارة على مظهر "dromos": مصطلح يوناني يشير إلى ممر طويل ومنحدر يؤدي إلى قبر محفور تحت الأرض.

لا تزال المعلومات في هذا المجال مترددة وغير دقيقة لأنه قد تم إعاقة البحوث الأثرية عن طريق تراكم المرافق والمنشآت القديمة والحديثة. يعود فضل بعض هذه التفاصيل أساسا إلى الوثائق الأثرية من الدول المجاورة حيث تمكن المؤرخين على إعادة تخطيط ودراسة البيئة المعيشية عند الشعب الفينيقي ومدنهم. على سبيل المثل، استطاع العلماء، بفضل النقوش والرسومات الآشورية (المنحوتات الجدارية من قصر سنحاريب)، تقديم أدلة عن المباني الخاصة التي تواجدت في المنطقة، والمنازل المتعددة الطوابق مع أبواب المداخل المحاطة بالأعمدة والنوافذ ذات الدرابزين.

ولكن إذا كنا لا نعرف إلا القليل عن الهندسة الفينيقية ومنشآتهم المعمارية الحضرية، لا يمكننا أن ننسى معبد سليمان في القدس، واحدة من اهم الإنجازات والأكثر إثارة للإعجاب من العمارة الفينيقية، والذي تم بناؤه من قبل عمال صور وعلى رأسهم المهندس حيرام المعروف تحت اسم "حيرام أبي المعماري".

بالإضافة إلى التخطيط والعمارة من الممكن أن تشمل أيضا مختلف الإنشاءات الحجرية مثل المسلات، والنقوش، والتماثيل، والنعوش (ومن أشهرها نعش احيرام ملك بيبلوس أو اشمونعازر ملك صيدا) التي تأثرت بالنموذج المصري، وفي وقت لاحق، بالإلهام الفني اليوناني.

ناووس ليسيان





(1) M. Chéhab nota dans Les Phéniciens. L'expansion phénicienne. Carthage, Gallimard, 1975, p.32 : "Placé au carrefour du monde ancien, le Phénicien vit de moins en moins en isolé ; marin et commerçant, il aura des contacts de plus en plus constants avec les pays étrangers, dont son esprit vif assimilera rapidement les arts et les exprimera sans jamais pour autant en faire un copiste servile. Quelle que soit l'influence étrangère dont elles sont pénétrées, ses œuvres ont toujours porté la marque de sa personnalité." Retour texte
(2) Fady Stéphan, Les Ivoires Phéniciens, 2000 ans d'art en Orient, Université St-Esprit Kaslik, Liban, 1996. Retour texte
(3) Les Phéniciens, sous la direction de S. Moscati, Stock, 1997. Retour texte

عودة إلى الصفحة الرئيسية